ابن سيده

37

المحكم والمحيط الأعظم

وحُسْنا ، ولا يرمينَّك الحسد بما يَكْمَدُ منه الروح والجسد ، فإنه لا راحة لحسود ، ولا نِعمةَ دائمةً لكَنُود « 1 » . وفي تَعَبٍ مَن يَحسُدُ الشَّمسَ نورَها * ويَجْهَدُ أن يأْتِى لها بضريبِ « 2 » فإن كتابنا هذا مَدْعاة للنفوس الشاردة ، مَذكاة للقلوب الهامدة ، مَعْلَقة بفؤاد المتفهِّم ، مَأْنَقَة لعين الناظر المتوسِّم ، رَوْضٌ ما أزهى أزاهيرَه ، وأبهَى في عيون الأفاهيم أشاهيره « 3 » ! وإن كنتُ إنما أطفْت الأنوارَ بالعُمْيان ، وزَفَفْت الأبكار إلى الخِصيان ، غير أنه إذا سَعِد برضا الأمير ، أطال اللّه بقاءه - وأدام عِزّته وعَلاءه - فقد أغنى عن الوَشَل « 4 » البحر ، وإذا الشمس لم تغرُب فلا طلَع البدْر ، ولو كان لكتابي هذا نَفْسٌ مُنْطَقة ، ولِسانٌ مُطْلقَة ، لأنشدَ قول أبى الطَّيِّب : غَضَبُ الحسودِ إذا لَقيتُكَ رَاضِيا * رُزْءٌ أخَفُّ علىَّ مِنْ أنْ يُوزَنا « 5 » وهذا أوَانُ أُجَلِّى عليك جَمْهَرَة أوصافه ، إن لم يغُرَّك حسدٌ مالكٌ لك عن إنصافه ، وإن أبيت إلا الحَسادة فذلك إليك ؛ لأن الخُسران إنما يثبت في يديك ، وقد قال الحكيم الذي لا يُدفع فضله : لا يَحْزُنْك دمٌ هَراقه أهلُه . إن كتابنا هذا مشفوعُ المِثْل بالمثل ، مُقترِنُ الشَّكْل بالشَّكل ، لا يفصِل بينهما غريب ، ولا أجنبىّ بعيد ولا قريب ، مُهذَّب الفصول ، مرتَّب الفروع بعد الأصول ، ومَنْ شافَه « 6 » عِلْما من عِلمْ الضرورة ، لم يألُ في التحفُّظ بتقديم المادة على الصُّورة . هذا إلى ما تحلَّى به من التهذيب والتقريب ، والإشباع والاتساع ، والإيجاز والاختصار ، مع السلامة من التكرار ، والمحافظة على جمع المعاني الكثيرة ، في الألفاظ اليسيرة ، فكم باب في كتب أهْل اللغة أطالوه ، بأن أخذوا محموله على أنواع جَمَّة ، وأخذته أنا على الجِنس ، فغَنِيت عن ذكر الفروع بذكر القِنْس « 7 » ، فإنه إذا كان المحمول مأخوذًا على الحيوان ، فلا مَحالة أنه مأخوذ على السَّبعُ والفَرَس والإنسان ، وغير ذلك من الأنواع التي نجد الحيوان لها جنْسا ، فربّ

--> ( 1 ) كند يكْنُد كُنُودًا : كفر النِّعمة . ( 2 ) البيت لأبى الطيب المتنبي في ديوانه ( 2 / 75 ) ؛ والضريب : المثيل . ( 3 ) في بعض النسخ : الأفهام ، والأشاهر : بياض النرجس . ( 4 ) الوَشَل بالتحريك : الماء القليل يتحلب من جبل أو صخرة يقطر منه قليلًا قليلًا ، وقيل والوشل : الماء الكثير ، فهو على هذا من الأضداد . ( 5 ) البيت لأبى الطيب المتنبي في ديوانه ( 1 / 198 ) . ( 6 ) شاف الشئ شوفا : جلاه . ( 7 ) القَنْس والقِنْس : الأصل .